هاشم معروف الحسني
137
سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع )
وانصرف الإمام ( ع ) إلى تجهيزها وجاء الناس يتدفقون ليحضروا تشييعها والصلاة عليها ، ولكن عليا ( ع ) عملا بوصيتها أظهر لهم أنه يريد تأخيرها ، ولما مضى من الليل الشطر الأكبر والناس نيام أخرجها مع جماعة من خلص أصحابه ودفنها ليلا في البقيع كما روى ذلك أكثر المحدثين . وفي رواية البحار عن ابن بابويه أنه دفنها في بيتها ، وجاء عن الطوسي أنها دفنت اما في بيتها أو في الروضة . ولما دفنها هاج به الحزن ووقف على شفير القبر وقلبه مفعم بالألم والحسرة وقال : السلام عليك يا رسول اللّه عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بك ، قل يا رسول اللّه عن صفيتك صبري ورقى عنها تجلدي ، ألا وأن في التأسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز ، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك وفاضت بين نحري وصدري نفسك ، إنا للّه وإنا إليه راجعون . لقد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة ، أما حزني فسرمد وأما ليلي فمسهد إلى أن يختار لي اللّه دارك التي أنت فيها مقيم ، وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها فاصفها السؤال واستخبرها الحال هذا ولم يطل العهد ولم يخل منك الذكر والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم فإن انصرف فلا عن ملالة وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد اللّه الصابرين . وأرى أن أختم حديثي عن الزهراء وأرجو أن يكون وافيا ولو ببعض حقها أرى أن اختمه بكلمة للعقاد وهو يمهد الحديث عن وفاتها ، فقد قال : إن في كل دين صورة للأنوثة الكاملة المقدسة يتخشع بتقديسها المؤمنون كأنما هي آية اللّه من ذكر وأنثى ، فإذا تقدست في المسيحية صورة مريم العذراء ففي الإسلام لا جرم أن تتقدس صورة فاطمة البتول . لقد أخذت الزهراء مكانها الرفيع بين أعلام النساء في التاريخ واقترن اسمها بمئات الشهداء ، وظل اسم المنتسبين إليها يقض مضاجع الحكام وطغاة العصور مئات السنين ، وكان لأكبر دولة اسلامية شرف الانتساب إليها خلال ثلاثة قرون أو تزيد ، بل كان الانتساب إليها من أقوى الدعائم لأنها بنت نبي وزوجة إمام وأم لآلاف الشهداء الذين استشهدوا في سبيل الضعفاء والمحرومين